أحمد بن محمد الدمشقي ( ابن عرب شاه )

305

عجائب المقدور في نوائب تيمور

مدة حياته ، وبعد موته ، ينقل النذور ويقرب القربان إلى قبره ، وكان ترقى معه في المصاحبة ، حتى وصل إلى مقام المراقبة ، قيل إنه كان في السفر ، فرأى واحدا من العسكر ، كأن الكرى عطف رقبته ، أو السرى أمال شفته ، أو على حال لا يتوجه عليه فيها لوم ولا عتب ، فضلا عن أن يترتب عليه ضرب أو سب ، فقال تيمور : ترى ما ثم أحد قاطع ، يقطع رأس هذا الفاعل الصانع ، ولم يزد على هذا الكلام ، فسمعه واحد من أولئك الكفرة اللئام ، اسمه دولت تيمور ، وهو أمير كبير مشهور ، قد ألبسه الله ثوب النقمه ، ولم يشمه شيئا من روائح الرحمة ، ففي الحال سل رأسه من بين كتفيه ، وحمله إلى تيمور ، ووضعه بين يديه ، فقال تيمور : ويلك ما هذا الأمر الأفظع ، فقال هذا الرأس الذي أشرت أن يقطع ، فأعجبته هذه العبارة ، وابتهج بأن أمره يمتثل بأدنى إشارة . وكان فيهم الظرفاء والأدباء ، والأذكياء والشعراء ، ومنهم في الفضل أعلام وعلماء ، وفيهم المحقق ، والباحث في العلوم والمدقق ، ومن شارك في كل العلوم ، وبحث فيها بحثا شافيا من طريقي المنطوق والمفهوم ، ويقرر مذهب الصوفية وإحياء العلوم ، ومع هذا فبعضهم يمضي على مقتضى ما عمله ، وكان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة ، وبعضهم كان مع رقة الحاشية ، واللطافة الفاشية ، والعلم الوافي ، والظرف الشافي ، والجمال الفائق ، والكمال الشائق ، والكلام الرائق ، قلبه أقسى من الحجر ، وفعله أنكى من ضرب الصارم الذكر ، يقولون من قول خير البرية ، ويمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ، وإذا وقع مسلم في مخاليبهم ، وابتلي غريب بتعذيبهم ، صنف ذلك العالم المحقق ، والحبر المدقق ، في استخراج المال منه أنواع العذاب ، وأصناف العقاب ، واستحضر في فنون تعذيبه كتبا ومسائل ، وسرد في علوم تثريبه خطبا ورسائل ، فيصير ذلك المسكين يتكوى ، ويستغيث ويتلوى ، ويستجير بالله وآياته ، ويستشفع بكل ما في أرضه وسماواته ،